
صورة من عام 1949، تظهر فيها القوات الص.هي.ونية وهي ترفع علمها على أرض أم الرشراش المصرية، تلك البقعة التي سُرقت في وضح النهار، ثم تحوّلت لاحقًا إلى أهم موانئ الاحتلال على البحر الأحمر: إيلات .
في بدايات عام 1949 وبعد أن وضعت حرب فلسطين الأولى أوزارها كانت مصر مثل سائر العرب قد رضخت لضغط الأمم المتحدة، ووافقت على وقف إطلاق النار تمهيدًا لتوقيع اتفاقية الهدنة الدائمة مع كلٍّ من “إسرائيل” والأردن، وتحديد الحدود النهائية بين الدول الثلاث.
وفي تلك الأثناء، نفّذت العصابات الصهيونية عملية عسكرية سرّية أُطلق عليها اسم “هَحورِب”” أي عملية السيف و الخراب “و هدفها دفع القوات المصرية إلى التراجع واحتلال مناطق إضافية ، تسللت خلالها وحدات من الجيش الإس.رائي.لي إلى عمق سيناء ، واستولت على طريق بئر السبع – عسلوج ، في خرقٍ صارخٍ للهدنة التي لم يحترمها سوى الطرف العربي.
أُخضعت مصر حينها لضغوط أممية مكثفة لعدم الردّ العسكري والالتزام بروح القانون الدولي .
لكن القيادة الصهيونية كانت تُدير المشهد بذكاءٍ استعماري بعيد المدى و لا يهمها القوانين الدولية إذ كان هدفها الحقيقي الوصول إلى رأس خليج العقبة لتأمين منفذٍ دائمٍ على البحر الأحمر، قبل أن تُرسم الحدود رسميًا على الورق.
وفي أوائل مارس 1949، أطلقت “إسرائيل” عملية جديدة تحت اسم “عوفدا”وتعني بالعبرية فرض الأمر الواقع فتقدّمت كتيبة النقب بقيادة إيغال ألون من الجنوب الفلسطيني نحو قرية تُدعى أم الرشراش وهي قرية مصرية حدودية تتبع إداريًا مديرية الطور في سيناء وكان يتمركز فيها نحو أربعين جنديًا وضابط شرطة مصريين لحماية الحدود.
كانت مصر، كعادتها هي و باقي الدول العربية ، تحترم التزاماتها الدولية التزامًا صارمًا أكثر من التزامها بكتاب الله فبقي الجنود في مواقعهم دون استعداد للقتال ظنًا منهم أن الهدنة ستعصمهم من اليهود وأن العالم سيحميهم إن اعتُدي عليهم.
لكن القطعان الصهيونية باغتتهم فجر 10 مارس 1949 فاقتحمت القرية وقتلت الحامية المصرية عن آخرها بدم بارد وأنزلت العلم المصري ورفعت علمها فوق الأرض المصرية في جريمةٍ لم يُدنها أحد.
كانت مجزرةً بحق جنودٍ التزموا بالقانون الدولي واغتالتهم الخيانة باسم السلام.
قدّمت مصر احتجاجًا رسميًا إلى الأمم المتحدة على هذا الخرق الفاضح لكن مجلس الأمن صمت والمجتمع الدولي تجاهل وواشنطن ضغطت ولندن غيّرت موقفها والعدالة الدولية كانت كعادتها عمياء حين يتعلّق الأمر بـ”إسرائيل”.
تشير الوثائق الأردنية إلى أن الولايات المتحدة مارست ضغطًا مباشرًا على بريطانيا للسماح لتل أبيب باحتلال المنطقة تحقيقًا لهدفٍ استراتيجي يتمثّل في فصل مصر عن المشرق العربي ومنع أي اتصال بري بين القاهرة وعمّان ودمشق.
وفي اجتماعٍ لرؤساء الحكومات العربية عام 1955 كشف رئيس الوزراء الأردني توفيق باشا أبو الهدى أن البريطانيين وعدوا بشرفهم بإرسال كتيبة من العقبة الأردنية لمنع اي تقدم القوات اليهودية إلى خليج العقبة لكن بريطانيا كعادتها خلفت وعودها و كتيبتها لم تتحرك بأوامر سياسية بريطانية .
بعد الاحتلال غيّر الكيان الصهيوني اسم القرية من أم الرشراش إلى إيلات وبدأ في بناء ميناءٍ بحري وعسكري ضخم صار لاحقًا شريانًا استراتيجيًا تمرّ عبره 40٪ من صادرات “إسرائيل” ووارداتها .
وفي الخمسينيات، مُدّت منه أنابيب النفط نحو الشمال وزادت أهميته بعد أن أغلقت مصر قناة السويس أمام الملاحة الإسرائيلية عام 1950 ثم أعادت حرب 1956 فتح الخليج بالقوة.
أم الرشراش لم تكن قرية منسية بل قطعة استراتيجية فصلت مصر عن المشرق وفتحت للعدو طريقًا إلى البحر الأحمر .
ومنذ ذلك اليوم ظلت إيلات شاهدًا على معادلة قاسية:
أولئك الذين يرفعون شعارات القانون الدولي يُقتلون به،
وأولئك الذين يكتبونه، يفعلون ما يشاؤون.
رغم أن مصر خاضت ثلاث حروبٍ كبرى ضد “إسرائيل” في أعوام 1956 و1967 و1973 فإن أم الرشراش بقيت خارج الحسابات الميدانية.
لم تستطع القاهرة استعادتها حتى على طاولة مفاوضات كامب ديفيد .
فعندما وقّع السادات اتفاقية السلام عام 1979 كان الميناء الصهيوني في إيلات قد صار أمرًا واقعًا لا يُناقش وتُركت أم الرشراش على الورق تُعرّف كـمنطقة حدودية متنازع عليها” بينما العالم احتفى بـ”السلام العادل”.
واليوم وبعد أكثر من سبعين عامًا ما زال العرب يرفعون راية “القانون الدولي” في وجه من لا يعترف إلا بالقوة.